الثورة المصرية تطرق أبوابا غير متوقعة خلال مسيرتها

تم النشر فى الشرق الاوسط مع 0 تعليق 2 / مارس / 2014

[المحتوى من البديل]


مضت ثلاثة أعوام على بداية انتفاضات الربيع العربي ولا زالت الحياة في العاصمة المصرية، القاهرة، تتأثر بالثورة إلى حد بعيد وكأن الأيام لم تمر.

كانت قوات الشرطة قد اختفت فجأة تماما من الشارع المصري في ذروة الفوضى التي سادت البلاد أثناء الثورة على نظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك أواخر يناير/ كانون الثاني 2011.

واليوم عادت الشرطة إلى الشارع المصري بعد طول غياب، لكنها لم ترجع لاستعادة النظام، بل لفرض سيطرتها على الشارع الذي بدأ يشهد مستويات أقل من الفوضى.

ويمكنك مشاهدة شاب يسمح له ضابط شرطة بالسير عكس الاتجاه بدراجته حاملا فوق رأسه صينية ضخمة من الخبز الطازج، وهو يقود واضعا يديه في جيبيه.

وترى سائق دراجة بخارية يسير هو أيضا عكس الاتجاه بحجة أن دراجته ما هي إلا دراجة هوائية بها محرك.

ثم يحاول سائق سيارة المرور بنفس الطريقة، من منطلق أن السيارة ما هي إلا دراجتان مثبتتان بجانب بعضهما البعض. هنا فقط يتدخل الضابط.. فالشرطة لها حدود.

وتعج شوارع القاهرة بالفوضى وتعاني من التكدس، كما يقوم المشاة وأسراب الدراجات البخارية بمناورات خطيرة حول السيارات الأكبر حجما التي تسير بسرعة أبطأ بسبب الزحام وكأنها إليكترونات في رسم بياني كيميائي.

وتظهر إشارات الحياة المتجددة في كل مكان.

يمكن أيضا رؤية عربات صغيرة تجرها حمير هزيلة ضئيلة الحجم تتجول في وسط المدينة. وكانت تلك العربات ممنوعة من السير في تلك المناطق في عهد مبارك لأنها، على الأرجح، كانت تذكره بالفقر والبؤس الذي يسود مصر ولأن روث الحمير التي تجرها يتساقط في كل مكان تسير فيه.

وتُعلق الأغنام المذبوحة على أبواب محال الجزارة في الضواحي الأفضل حالا تعلوها أشرطة من الأختام الوردية اللون التي وُسمت بها في المجازر أثناء تجهيزها.

في مثل هذا الوقت من العام قبل ثلاث سنوات، أغلقت البنوك أبوابها أمام العملاء وأفرغت جميع ماكينات الصرف الآلي من محتوياتها النقدية.

وزاد بشكل مفاجئ عدد السائحين الوافدين. وقد استوقفتني مجموعة من النساء الأمريكيات كي ألتقط لهن صورة في حديقة الفندق الذي نقيم به.

ويسود في مصر شعور بأن البلاد أمضت وقتا طويلا من التغيرات السياسية منذ سقوط مبارك مع أن الفترة لا تتجاوز ثلاث سنوات.

وربما يأتي ذلك الشعور من توالي أحداث جلل على البلاد. فقد مرت مصر بثلاثة استفتاءات على الدستور كانت نتيجة آخرها وثيقة دستورية شاملة تتضمن تعهدات بحماية حقوق العمالة من محدودي الدخل.

كما كانت هناك جولات عدة من الانتخابات البرلمانية التي أسفرت عن برلمان حُل بحكم قضائي، بالإضافة إلى الانتخابات الرئاسية التي أتت إلى السلطة بأول رئيس منتخب في تاريخ مصر وهو محمد مرسي.

وأطاح الجيش بمرسي في العام الماضي وزج به في السجن. وتوفر نوع من الاستقرار بعد حملة تصدي شرسة استهدفت جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمات إسلامية أخرى.

ويعزو أغلب المصريين الفضل في هذا الاستقرار إلى الجيش، وخصوصا إلى قائده المشير عبد الفتاح السيسي، إذ ينسبون إليه استعادة العزة الوطنية وهزيمة الكثير من المؤامرات الخفية و الشريرة ، التي يعتقدون أن الإسلاميين كانوا يحيكونها من أجل تمزيق الدولة المصرية العريقة، وإلحاق أجزائها بدول إسلامية مجاورة.

لم يكن المشير السيسي معروفا لدى المصريين قبل عامين، وحتى الآن لا يعرفون عنه الكثير. فطفولته، ومراحل عمره المختلفة، ووجهة نظره في كيفية التعامل مع مشكلات مصر المستعصية، من فقر وازدحام سكاني وبطالة، وغيرها من المعلومات لا زالت غير معروفة حتى الآن. رغم ذلك، فإنه يُحتفى به الآن باعتباره منقذ البلاد.

وقد يحمل هذا الأمر دلالة حول الثقافة السياسية للمصريين، وتعطشهم لزعيم قوي، حبذا لو كان من كبار قادة الجيش.

ويظهر الاحتفاء بالسيسي في شوارع مصر على نطاق واسع حتى أنه يمكنك شراء قطعة من الشيكولاتة موسوم عليها صورته، وهو ما يؤكد على أن لدى الرجل جاذبية شخصية ساعدت في حب الكثيرين له.

ولكن المشكلة هي أن معظم المتظاهرين الذين بادروا بشجاعة لإسقاط نظام مبارك، لم يتمنوا أبدا أو يتوقعوا أنه بعد نحو ثلاث سنوات من الثورة ستعود بلادهم إلى حيث كانت قبل الثورة، حيث يسيطر الجيش على الحياة السياسية، وتصبح المناصب العليا مهيأة بانتظار كبار العسكريين.

من المعروف أن الثورات متقلبة المزاج، وهو ما أكد عليه الزعيم الصيني تشو إن لاي عام 1972 حينما قال إنه لا يزال من المبكر الحكم على أحداث الثورة الفرنسية التي بدأت عام 1789.

وربما رافق هذه المقولة سوء فهم، حيث كان إن لاي يتحدث عن الثورة في إطار أعمال الشغب التي كانت تجري في باريس آنذاك، وتحولت الملاحظة العادية التي أبداها إن لاي في ذلك الوقت إلى ما اعتبره البعض مقولة مأثورة من الحكمة الصينية الروحانية.

لكنه إذا كان يقصد أن الثورات قد تكون لعبة تستغرق وقتا طويلا حتى تنتهي، فإن رأيه يعتبر صحيحا.

وتابع المصريون مثل غيرهم ما حدث في أوكرانيا خلال الأسبوع الجاري، حيث بدأت أولى خطواتها على الطريق الذي سبقتها إليه مصر. ولا أحد يعلم كيف ستكون النهاية.

وخلاصة ما نخرج به من التجربة المصرية مع الثورة هي أن الثورات تسلك أحيانا طريقا لم يكن يتوقعه الثوار يوما ما.


27 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2017 - صحيفة روابي الاكترونية